البهائيون في الكويت

كانت الكويت منذ القدم وبحكم موقعها الفريد ملتقى للحضارات والثقافات والأديان المتنوّعة التي استقرّت في هذه الأرض الطّيبة. وقد كان البهائيون من ضمن هذا الطّيف من البشر الذين قدموا إلى الكويت وارتبطوا بها واتّخذوا منها موطنا لهم ولأجيالهم القادمة.

يرجع تاريخ دخول الدّين البهائي إلى الكويت إلى العام ١٩١٤ حين قدم إليها أحد البهائيين من مصر وعمل مدرّسا في إحدى المدارس الحكومية. ثم في الأربعينات من القرن الماضي ازداد عدد البهائيين والذين جاء أغلبهم من الدول المجاورة كالعراق وإيران واختاروا الاستقرار في الكويت، وشاركوا في تقدم هذا الوطن من خلال مساهماتهم في الهندسة والتّعليم والتّجارة. كان هدفهم بناء حضارة مزدهرة مادّيا وروحانيّا وشعارهم أنّه "لا يمكن إصلاح العالم إلا بالأعمال الطّيبة الطّاهرة و الأخلاق الرّاضية المرضيّة". ومنذ ذلك الوقت ارتبط مصير البهائيين في الكويت بمصير هذه الأرض، فعشنا معا في السّراء والضّراء واتّحدنا في وجه الظّلم والتّعدي، وتكاتفنا من أجل البناء والنّمو.

والبهائيون اليوم وفي مختلف بقاع العالم، ينتمون إلى أجناس وأعراق وشعوب وقبائل وجنسيات متعدّدة. ويساهمون سويا مع الجميع في ازدهار ورفاه المجتمع، فيتفضّل حضرة بهاء الله: "قد خلقتم للوداد لا للضّغينة والعناد، ليس الفخر لحبّكم أنفسكم بل لحبّ أبناء جنسكم" ونحن في الكويت نسعى جنبا إلى جنب مع بقية الأفراد والمنظّمات والمجتمعات في خلق بيئة تفضي إلى الوحدة والتّعايش وتحفّز على العمل والتّعلم والتّشاور من أجل تحقيق السّلام والوحدة. بالإضافة إلى مساهمة "المكتب البهائي العالمي" في مكتب هيئة الأمم المتحدة في أمور تخص التّطور الاجتماعي والاقتصادي.

نبذة عن الدين البهائي

يؤمن البهائيون باستمرارية الهداية الإلهيّة وبأنّ كلّ الأديان السّابقة سماويّة في أصلها، متّحدة في أهدافها، متكاملة في وظائفها، متّصلة في مقاصدها، وقد جاءت جميعُها بالهدي لبني الإنسان. إن مجيء حضرة بهاءالله الّذي تنبّأ به رسل الله على مدى العصور هو الدّواء الناجع لهذا الزمان. إننا نعيش في يوم نرى فيه بأم أعيننا كيف أن المثل العليا قد ازدادت ضعفا في مختلف الأمم وبشتى الطّرق وأصبح جليا أن القوّة الأخلاقية التي تعمل على الحفاظ على المجتمع قد استنزفت على نحو خطير، وهنا تستدعي الاستجابة من كل قلب يتألّم على أوضاع العالم البائس وأحواله المزرية بحيث لم يعد بمقدور الكثير من النّاس أن يجدوا لها فرجا ومخرجاً. إن المدنّية المستقبليّة التي ارتآها حضرة بهاءالله تمتاز بالازدهار والرّخاء، وذلك من خلال نهوض كل فرد بالعمل لخدمة البشرية ودعمها. فالعمل المتّسم بالعزم والتّفاني وبالأدوات والوسائل التي وضعها حضرة بهاءالله، لأعظم استجابة من جانب كل فرد مهتم تؤرقه الأمراض المتفشّية في مجتمع يعمّه الفساد، والصّراعات. ونحن نتأثـّر بشدّة من هذه الصّراعات ويتملّكنا الحزن جرّاء الدّمار من حولنا، هنا لا بد من هداية إلهيّة للبشريّة، ووحدها القدرة الإلهيّة باستطاعتها أن تخرجنا من هذا المأزق، حتى نعيش كعائلة متّحدة في مجتمع عالمي تسوده العدالة. "لم يزل كان إصلاح العالم بالأعمال الطّيبة الطّاهرة والأخلاق الرّاضية المرضيّة" -حضرة بهاءالله-

لمحة عن التّاريخ

حضرة الباب (1819 - 1850)

واسمه السّيد علي محمّد، ولد في مدينة شيراز جنوب إيران، ولقّب بالباب فيما بعد، أي أنه كان حقاً بابا إلى دخول مرحلة جديدة في تاريخ البشرية. أعلن حضرة الباب دعوته عام 1844 م، وكان الهدف الرئيس من رسالته تمهيد الطّريق لمجيء حضرة بهاءالله حيث أخبر الناس أنهم يشهدون فجر عصر جديد، وطلب منهم أن يطهّروا قلوبهم من الشّؤون الدنيوية كي يكون باستطاعتهم معرفة من سيظهره الله والذي سيأتي قريبا. وبالرغم من قصر مدة دعوته إلا أنها احتوت على قوّة روحانيّة عظيمة.

"إنّ حضرة الباب لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي حضرة بهاءالله الذي وعدت به الكتب والصّحف والزّبر والألواح السابقة جميعها. -حضرة عبدالبهاء-

حياة حضرة الباب

حضرة بهاء الله (1892-1817)

واسمه الميرزا حسين علي، وُلد في طهران. منذ حداثته كانت تظهر عليه علامات العظمة، لم يذهب للمدرسة، لأنه كان موهوباً من الله بعلم لدنّي. ينحدر أصل حضرة بهاء الله من عائلة نبيلة، وقد عُرض عليه منصب عال في الوزارة لكنّه رفض ذلك. كان يُكرّس وقته لمساعدة المظلومين، والمرضى والفقراء. وفي عام 1863 م في بغداد أعلن حضرة بهاءالله بأنَّه الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب، والّذي بظهوره تتحقّق نبوءات ووعود الأديان السّابقة.

لقد بُذل كل جهد لمعارضة حضرة بهاء الله وتعاليمه، ولهذا قُرّر نفيه إلى إسطنبول في تركيّا. ومن ثمّ نُفي إلى مدينة صغيرة في شمال تركيّا تُدعى أدرنة. وبعد ذلك نفته الحكومة العثمانيّة إلى الأرض المقدسة، حيث قضى بقيّة حياته في مدينة عكّا حتّى تُوفي في عام 1892م. استطاع حضرة بهاء الله أثناء نفيه أن يبلّغ رسالته إلى رؤساء العالم وملوكه آنذاك.

وبعد وفاة حضرة بهاء الله قُرئت وصيّته الّتي عُرفت باسم "كتابُ عهدي"، وتبيّن أنّه عيّن خليفةً ومبيّنًا لتعاليمه وهو ابنه البار حضرة عبد البهاء الّذي قام طيلة حياته بشرح العديد من الّتعاليم البهائيّة وتفسيرها. وبهذا التّعيين حُفظ الدّين البهائيّ من التّفرق.

ترك لنا حضرة بهاء الله ميراثًا عظيمًا، هو كتاباته؛ وهي جميعها تدعو إلى إيجاد عالم أفضل وبشر أرقى وجوّ مليء بالمحبّة والألفة والروحانيّة حتى تتحقّق تدريجيًّا الوعود الإلهيّة المذكورة في الكتب السّالفة.

حياة حضرة بهاءالله

"يا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ"

حضرة بهاء الله

رسالة حضرة بهاءالله

"كلّكم أثمار شجرةٍ واحدةٍ وأوراق غصنٍ واحدٍ"

حضرة بهاء الله

جاء حضرة بهاءالله برؤى لتوحيد أبناء البشريّة في ظلّ راية الوحدة. إنّ الحقيقة القائلة بأنّ البشريّة شعب واحد، والّتي قوبلت فيما مضى بالشّك والإنكار، هي اليوم موضع ترحيب وقبول واسع النّطاق.

"ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم"

حضرة بهاء الله

كما أنّ رفض التّعصّبات المتأصّلة، والحسّ المتنامي بالمواطنة العالميّة، هما من الشّواهد على تزايد هذا الوعي. مع ذلك، مهما كان هذا الازدياد في الوعيّ الجماعيّ واعدًا، يجب اعتباره مجرّد خطوة أولى في عمليّة ستستغرق عقودًا، لا بل قرونًا، حتّى تبرز وتتكامل؛ ذلك لأنّ مبدأ وحدة العالم الإنسانيّ كما نادى به حضرة بهاء الله لا يستدعي مجرّد التّعاون بين الشّعوب والأمم فحسب، بل يحتاج إلى إعادة كاملة لصياغة المفاهيم المتعلّقة بالرّوابط الّتي تهب المجتمع نعمة البقاء، فقد جاء حضرة بهاء الله لتغيير الحياة الوجدانيّة والأحوال الاجتماعيّة للبشريّة على حد سواء.

"اليوم، يوم الفضل الأعظم، والفيض الأكبر وعلى الجميع أن يجدوا الرّاحة والاطمئنان بتمام الاتّحاد والاتّفاق في ظل سدرة العناية الإلهية"



مجتمع نابض بالحياة

إن كل فرد في العائلة الإنسانية لا يملك فقط الحق بالاستفادة من مدنيّة مزدهرة مادّيا وروحانيا، وإنما يملك أيضاً القدرة للمساهمة في إنشائها من خلال الفكرة المتمثلة أساساً بخدمة متفانية ومتميزة من نكران الذات. هناك مبادئ روحية يصفها البعض بأنها قيم إنسانيّة يمكن عن طريقها إيجاد الحلول لكل مشكلة اجتماعية. وعلى وجه العموم، فإن أية مجموعة بشرية صادقة النوايا تستطيع وضع الحلول العملية لمشكلاتها، ولكن، توافر النوايا الصادقة والخبرة العملية ليس كافياً في غالب الأحيان. فأي مبدأ روحي يولد طاقة وإرادة وطموحاً وكل ذلك يسهل اكتشاف الحلول العملية وطرق تنفيذها ولا ريب في أن الجميع سيدعمون هذه الجهود في سبيل حل المشكلات إذا سعوا في بادئ الأمر إلى تحديد المبادئ وتعيينها، ومن ثم الاهتداء بهديها.

إنّ العمل الّذي يُؤدّى بروح الخدمة لإخواننا في البشريّة هو بمنزلة عبادة الله سبحانه وتعالى. لذا نتعاون مع الآخرين سواء كانوا أفراداً أو مجتمعات أو مؤسّسات، للقيام بمساعٍ مشتركة تهدف إلى رقي المجتمع وتعزيز الوحدة والاتّحاد، وترويج الرّخاء والسّلام والمساهمة في تحقيق التّضامن. وكوننا جزءاً من شريحة هذا المجتمع نساهم مع إخواننا في بناء الوطن وتقدّم الكويت وازدهارها مادياً ومعنويآً. بروح الخدمة المتفانية، نشارك في الدعاء مع جميع أطياف المجتمع طالبين من الله عز وجل عناياته وبركاته على وطننا وإخواننا أجمعين. وكذلك نساعد في التمكين الأخلاقي لأطفالنا وشبابنا ونرافقهم في خدمة الكويت الحبيبة بكل تفانٍ وإخلاص.

"يا ابن الإنسان لو تكون ناظرا إلى الفضل ضع ما ينفعك وخذ ما ينتفع به العباد وان تكن ناظرا إلى العدل اختر لدونك ما تختاره لنفسك"

لنخدم وندعو سويّا

منذ آلاف السّنين يتوجّه أتباع الدّيانات المختلفة إلى الباري تعالى بالدّعاء والمناجاة. ويُمكّن هذا الغذاء الرّوحاني النفوس من اكتساب الفضائل الرّحمانيّة والاقتراب قدر الإمكان من الله عزّ وجلّ. يتفضّل حضرة بهاءالله:

”أن اجتمعوا بالرّوح والرّيحان ثم اتلوا آيات الرّحمن، بها تفتح على قلوبكم أبواب العرفان إذًا تجدون أنفسكم على استقامة وترون قلوبكم في فرح مبين“

حضرة بهاء الله

ويؤمن البهائيّون أنّ الدّعاء يُقرّب المسافات بين النّاس ويقرب النّفوس. لذلك، يحرصون على تعزيز السّمة التعبّدية ويدعون جميع من يشاركونهم الرؤية باختلاف عقائدهم إلى الدعاء في جوّ من التبتّل والخشوع لنموّهم الروحاني ورخاء وازدهار مجتمعهم. وتكون بمثابة مناسبات هامة تتولد فيها مشاعر المودّة والألفة والهدف المشترك، خاصة وأن طبيعتها تتيح للمشاركين فرصة التحدث في الجوانب والمواضيع العميقة والهادفة.

الطّريق إلى إصلاح العالم

التّربية الأخلاقيّة للأطفال ومرحلة الشباب

إنّ حماية الأطفال من تأثير التّيّارات غير الأخلاقيّة في مجتمعنا الحاضر تُعتبر واحدة من أكبر التّحدّيات الّتي تواجه الوالدين. لذا فإنّ الاهتمام بتربية الأطفال منذ نعومة الأظفار لتنمية قدراتهم، وعاداتهم، ومواقفهم ومُعتقداتهم لهو أمر ضروريّ وبحاجة إلى مساهمة جماعيّة من الوالدين والمجتمع على حدٍّ سواء وذلك لتوفير البيئة المناسبة لإظهار مواهبهم المكنونة.

يتفضل حضرة بهاءالله بقوله "انظر إلى الإنسانِ بمثابةِ معدنٍ يحوي أحجارًا كريمةً تخرجُ بالتّربيةِ جواهرُهُ إلى عَرْصَةِ الشّهودِ وينتفعُ بها العالمُ الإنسانيُّ" يجب تطوير هذه "الجواهر" بوعي لأّنه حتّى وإن كان النُّبل، والخير والجمال من الخصائص الفطريّة لطبيعتنا، إلّا أنّه من الممكن أن يقع الإنسان ضحيّة نزعات تنزل من مقامه كأشرف المخلوقات.

ألا يتوق كلّ أب وأمّ ممّن يهمهم مستقبل أبنائهم لإيجاد الوسائل الّتي تساعد على تنمية قدرات أطفالهم الرّوحانية، فيغرسوا فيهم الأسس الّتي تقوم عليها الأخلاق ؟

من الأهمية أن نعلم إن هذه الوسائل تكمن في ثلاثة أنواع : تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية أخلاقية، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سُبُل المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية التي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأما التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة التي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الأخلاقية فهي تربية ملكوتيّة وهي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مظهر (لنعملنّ إنسانًا على صورتنا ومثالنا) وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنسانيّ.

"إنّ تعليم الأطفال وتربية النّاشئة والشباب من أعظم المناقب للإنسان، لأنّه أسّ أساس فضائل العالم الإنسانيّ، وعندما يتربّى الولد وهو في سنّ الطّفولة مثل غرسة على ضفّة ساقية العلم والإدراك، يشرب بعناية من بستانيّ الحديقة، ولا شكّ أنّه يأخذ نصيبه من أشعّة شمس الحقيقة ويتّسم بالطّراوة واللّطافة البالغة في بستان الوجود إثر حرارة الشّمس وأشعّتها، إذًا يجب على المعلّم أن يكون حكيمًا، وذلك يعني أن يربّي الأطفال ويعدّل أخلاقهم ويعلّمهم العلم والحكمة ويعوّدهم على الشّيم والخصال الرّبّانيّة فيكون للأخلاق طبيبًا كي يعالج أبناء البشر من الأمراض الرّوحانيّة.، فكلّ طفل يمكنه أن يغدو سببًا لإنارة العالم أو سببا لظلمته، لهذا يجب اعتبار مسألة التّربية أمرًا في غاية الأهمّيّة.

وبعد هذا كله وعندما يخرج الأطفال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب يزداد وعيهم ويظهر الحماسة والشوق لتسخير طاقاتهم للعمل على تحسين مجتمعاتهم، إن المحادثات الهادفة حول هذه المواضيع تشعل جذوة الاهتمام بكيفية توجيه قواهم المادّية والروحيّة في هذه المرحلة من حياتهم نحو تلبية احتياجات الآخرين لا سيّما الأجيال الأصغر سناً.

مسؤوليّتنا تجاه المجتمع

التعايش

إنّ الرّوح الإنسانيّ ليس له جنس ولا عرق ولا قوميّة ولا طبقة. تلك حقيقة تعتبر جميع أشكال التّعصّب غير مقبولة بشكل مطلق لأنها تحول دون تحقق الإمكانات الكاملة للأفراد في المجتمع. إنّ السّبب الأصليّ للتّعصّب هو الجهل الّذي يمكن إزالته من خلال العمليّات التّعليميّة الّتي تجعل المعرفة في متناول الجنس البشريّ بأسره وتضمن أن لا تصبح مُلك أقليّة ذات أفضليّة. إنّ العلم والدّين نظامان متكاملان للمعرفة وتطبيقها، بهما يتمكّن أفراد البشر من فهم العالم الّذي يحيط بهم، وبواسطتهما تتقدّم الحضارة. إنّ الدّين بدون العلم سرعان ما ينحطّ إلى مستوى الخرافة والتّعصّب، والعلم بدون الديّن يصبح أداة للماديّة البحتة. إنّ الازدهار الحقيقيّ، هو ثمرة اتّساق ديناميكيّ بين المتطلّبات الماديّة والرّوحانيّة للحياة، فترجمة مُثل عليا كهذه إلى واقع لتُحدث تغييرًا على المستوى الفردي، وتُرسي أسس منظومات اجتماعية مناسبة. من المؤكّد أنّها ليست بالمهمّة الضّئيلة، ومع ذلك فإنّ المجتمع البهائي قد كرّس نفسه لعمليّة تعلّم طويلة المدى تستلزمها هذه المهمّةّ، عمليّة تتمثّل في مشروع يدعو أعدادًا متزايدة من جميع المنابت والمشارب ومن كافّة المجموعات البشريّة للمشاركة فيه.

يتميّز مجتمعنا في الكويت بنعمة التّنوّع واحتوائه على ثقافات وجنسيّات متعدّدة، فنعيش معًا بكلّ تسامح، وجميعنا مسئولون عن تطوّر هذا المجتمع المتسامح وتحوّله ليسمو بتفاعلاته وعلاقاته إلى مرتبة التّعايش ضمن إطار وحدة الجنس البشريّ. لذا نتحاور ونتناقش في مجموعات مختلفة عن كيفيّة تحقيق الوحدة القائمة على مبدأ العدل والإنصاف والتّعرف على مفهوم التّعايش.

المواطنة

إنّ الهويّة الفرديّة والجماعيّة وإحساسنا بمن نكون وكيف نتلاءم مع العالم من حولنا يشكّلان جانبًا مهمًّا من تفاعلنا الاجتماعي كبشر، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإحساسنا بالهدف وبكيفيّة إدراكنا لعلاقاتنا بالآخرين. ففي عمليّة بناء الحضارات، كان هناك عاملٌ بارزٌ ألا وهو قدرة البشر الجليّة على تشكيل هويّات تتجاوز أيّ اختلافات حقيقيّة أو خياليّة. ولكن مع ذلك فإن هؤلاء الّذين طمحوا في اكتساب منفعة على حساب الآخرين، استندوا في أغلب الأحيان إلى الفروقات الحقيقيّة أو الوهميّة كوسيلة لتقسيم البشر وذلك من أجل تحقيق مآربهم وطموحاتهم الشّخصيّة. وعلى مرّ الزّمن، ترسّخت هذه الاختلافات المنبثقة من المصلحة الذّاتيّة وأخذت قالبًا من البُنى النّمطيّة المتعلّقة بالعرق والجنس والجنسيّة. غالبّا ما كانت هذه البُنى النّمطيّة تُستخدم في تعريف البشر وتقسيمهم إلى مجموعات. إن تحديد خصائص اجتماعيّة ومادّيّة معيّنة بهذا المفهوم الضّيق ووضعها في مركز فهمنا لأنفسنا وللآخرين كان له عواقب مدمّرة، سواءً استُخدمت تلك الهويّة كأساس للبحث عن أفضليّة على الآخرين أو ترسّخت ردًا على تجربة التّعصّب والقمع. فجزء من الواقع الاجتماعيّ المجزّأ بشدّة الّذي نجده من حولنا اليوم ما هو إلّا من تبعات هذه البُنى الضّيّقة للهويّة وملحقاتها.

 

"الإنسان اليوم هو الذي يقوم على خدمة من على الأرض كلها"

حضرة بهاء الله


الهويّة المشتركة

إنّ الهويّة المشتركة، تعمل كأساس لوحدة البشريّة. فهي لا تتجاوز الاختلافات الّتي تنشأ بسبب الولادة أو التّربية فحسب بل توحي أيضًا بالعمل من خلال توحيد النّاس وحملهم على التّعاون وتكوين علاقات وبناء المجتمعات. هذا هو السّبيل الوحيد للبشر ليتمكّنوا من تحقيق هدفهم المزدوج والمتمثّل بتطوير إمكاناتهم الفردية والمساهمة في النّهوض بالمجتمع. إنً مبدأ وحدة الجنس البشري هو تعبير عن حقيقتنا الجوهريّة. هذا التّعبير الموسّع عن إنسانيّتنا المشتركة يُعبّر عنه في المقتطف التّالي من آثار حضرة بهاءالله:



الوحدة في التّنوع

جميعنا كأوراق شجر واحد وأوراد حديقة واحدة. إن ما يميّز نسيج المجتمع في الكويت هو التنوع الجميل من حيث اللون، الثقافة، الجنسية، والدين، ويا حبذا أن نساهم جميعنا في أن نكون متحدين في تنوّعنا، نتعاون ونساند بعضنا بعضا لنرتقي سوياً إلى الامتياز.

يتفضّل حضرة عبد البهاء:

"لاحظوا أزهار الحدائق على الرغم من اختلاف أنواعها وتفاوت ألوانها واختلاف صورها وأشكالها ولكن لأنها تسقى من منبع واحد وتنتعش من هبوب ريح واحدة وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإن هذا التنوع والاختلاف سبب لازدياد جلال وجمال أزهار الحدائق.. أما إذا كانت أزهار ورياحين الحديقة وأثمارها وأوراقها وأغصانها من نوع ولون واحد ومن تركيب وترتيب واحد فلا معنى ولا حلاوة له. فإذا اختلفت لونًا وورقًا وزهرًا وثمرًا، فإن ذلك زينة وروعة للحديقة وتكون في غاية اللطافة والجمال والأناقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاوت وتنوّع أفكار وأشكال وآراء وطبائع وأخلاق العالم الإنساني فان جاءت في ظل قوّة واحدة ونفوذ واحد فأنّها ستبدو في غاية العظمة والجمال والسّمو والكمال. واليوم لا يستطيع أي شيء في الوجود أن يجمع عقول وأفكار وقلوب وأرواح العالم الإنساني تحت ظلّ شجرة واحدة سوى القوّة الكلّية لكلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء".



تعزيز الحياة العائلية

إنّ أحد المبادئ الاجتماعيّة المهمّة في الدين البهائي هو أنّ النّساء يجب أنْ يُعتبرنَ مساويات للرّجال، فيتمتّعن بحقوق وامتيازات مساوية لما يتمتّع به الرّجال كما ينلن تعليمًا مساويًا. وإنّ أعظم وسيلة يُعتمد عليها هي تّربية وتّعليم البنات، فتـنال البنات تعليمًا لا يقلّ جَوْدة عن تعليم البنين. وفي الحقيقة يجب اعتبار تعليم البنات أهم من تعليم البنين، لأنّ هؤلاء البنات سيصبحن أمّهات في المستقبل، وبصفتهن أمّهات فهنّ أولى المعلّمات للجيل القادم. إنّ الأطفال أشبه بالأغصان النّضرة الغضّة، فإنْ كانت تربية الأطفال في السّنوات الأولى من حياتهم تربية صحيحة فإنّ أغصانهم ترتفع قويمة، وإنْ كانت تربيتهم خاطئة اعوجّت أغصانهم .

وعندما تـنال المرأة الاعتبار اللائق بها ويسمح للنّساء بالتّعبير عن إرادتهن في إدارة الشّؤون الاجتماعيّة، فحينذاك يمكننا أنْ نتوقّعَ حدوث تقدّم عظيم في الشّؤون الّتي أُهملت سابقًا وهي: شؤون الصّحة وضبط النّفس، والسّلام، واحترام قيمة الفرد، وتعزيز الحياة العائلية وستكون هناك آثار بعيدة المدى للتّحسينات الّتي تجري على هذه الشّؤون.

وضمن تشكيلة العائلة، يتفضّل حضرة عبدالبهاء:

"فوفقا لتعاليم حضرة بهاءالله، يجب تثقيف العائلة، كونها وحدة إنسانية، وينبغي تعليم أفراد العائلة كافّة الفضائل الإنسانيّة كما يجب مراعاة سلامة الرباط العائلي على الدوام، وعدم انتهاك أي حق من حقوق أفرادها، فحقوق الابن والأب والأم جميعها يجب عدم انتهاكها. فكما أن للولد واجبات معيّنة تجاه والده، فكذلك للوالد واجبات معيّنة تجاه ولده. والأم والأخت وسائر أفراد العائلة لديهم امتيازات معينة، فكل هذه الحقوق والامتيازات تجب المحافظة عليها، وعلاوة على ذلك، يجب دعم وتعزيز وحدة العائلة، واعتبار أي ضرر يلحق بأي فرد منها هو ضرر يلحق الجميع، وراحة كل منهم هي راحة للجميع".



اتصل بنا

info@bahaikw.org


The official website of the Bahai's of Kuwait - البهائيون في الكويت
The official website of the Bahai’s of Kuwait 2017-03-14T13:08:12+00:00
DSC_1276
New_faces_of_Kuwait_vCD075-copy
884
FA411091
updatedsss
new-slide-old-updated
4-updated!
2-updateddd

البهائيّون في الكويت

يرجع تاريخ علاقتنا الوثيقة بالكويت العزيزة إلى ما ينوف عن نصف قرن، وأصبحنا جزءًا من نسيج هذا المجتمع.  منذ ذلك الحين تسعى الأسر الكويتيّة البهائيّة مع أقرانهم ليحقّقوا أسمى ما يتمنّاه شعب الكويت من طموحات الازدهار والتّقدّم.  يتحلّى الشّعب الكويتيّ بطهارة القلب وحسن الضّيافة وإحساس مرهف لمعرفة الحقيقة والانجذاب للتّعاليم الّتي تتحقّق بها أسمى مُثُل الجنس البشريّ ومناقبه.  يتفضّل حضرة بهاءالله “كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراقُ غصنٍ واحد.”

أعلن حضرة بهاء الله رسالته عام 1863م في بغداد.  إنَّ رسالته لهذا العصر هي في الأَساس رسالة العدل والوحدة والاتّحاد، فقد كتب يقولأَحبُّ الأشياءَ عندي الإنصاف، وكرّر القول في موضعين آخرين بأنّالعالم وطن واحد والبشر سكّانه، وبأنَّه لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلّا بعد ترسيخ دعائم الاتِّحاد والاتِّفَاق.ِ”  فقد جاء حضرة بهاء الله لتغيير الحياة الوجدانيّة والأحوال الاجتماعيّة للبشريّة على حدِّ سواء، وها نحن نجهد قدر المستطاع في السّير قُدُمًا على طريق الخدمة جنبًا الى جنب مع بقية أبناء هذا الوطن لتطوير المجتمع من خلال استقامة في الخُلُق و حسن السّلوك في المعاملات والمهن والتّفاعل مع مختلف أطياف المجتمع.  بعيدًا عن الاضطرابات السّياسية والطّائفية  فاننا و عن طريق المشاركة في حوارات مع الأصدقاء والزّملاء والمعارف نسعى سويًّا لخلق الوعي نحو توحيد القلوب بواسطة الكلمة الطّيّبة والأعمال الطّاهرة المقدّسة الّتي يجب أن تَسِم حياة الفرد بما يليق بمقامه النّبيل والشّريف بين المخلوقات وبالتّالي تنعكس على عائلته ومن ثمّ على المجتمع ككل.

Avada Macbook Image

نبذة عن الدّين البهائيّ

جاء حضرة بهاء الله برؤى لتوحيد أبناء البشريّة في ظلّ راية الوحدة. إنّ الحقيقة القائلة إنّ البشريّة شعب واحد، والّتي قوبلت فيما مضى بالشّك والإنكار، هي اليوم موضع ترحيب وقبول واسعيّ النّطاق، كما أنّ رفض التّعصّبات المتأصّلة، والحسّ المتنامي بالمواطنة العالميّة، هما من الشّواهد على تزايد هذا الوعي. مع ذلك، مهما كان هذا الازدياد في الوعيّ الجماعيّ واعدًا، يجب اعتباره مجرّد خطوة أولى في عمليّة ستستغرق عقودًا، لا بل قرونًا، حتّى تبرز وتتكامل؛ ذلك لأنّ مبدأ وحدة العالم الإنسانيّ كما نادى به حضرة بهاء الله لا يستدعي مجرّد التّعاون بين الشّعوب والأمم فحسب، بل يحتاج إلى إعادة كاملة لصياغة المفاهيم المتعلّقة بالرّوابط الّتي تهب المجتمع نعمة البقاء.

يؤمن البهائيون باستمرارية الهداية الإلهيّة وبأنّ كلّ الأديان السّابقة سماويّة في أصلها، متّحدة في أهدافها، متكاملة في وظائفها، متّصلة في مقاصدها، وقد جاءت جميعُها بالهدي لبني الإنسان.

 

للمزيد عن الدين البهائي

156667-050-62285333-updated
1-place-updated
3-place-updated
Avada Macbook Image

لنخدم سويًّا

إنّ العمل الّذي يُؤدّى بروح الخدمة لإخواننا في البشريّة هو بمنزلة عبادة الله سبحانه وتعالى.  فترجمة مُثل عليا كهذه إلى واقع لتُحدث تغييرًا على المستوى الفرديّ والهياكل الاجتماعيّة ليست مهمّة سهلة المنال، لذا يدخل البهائيّون قدر المستطاع ميدان التّعاون مع الآخرين سواء كانوا منظّمات أو مجموعات أو أفرادًا، للقيام بمساعٍ مشتركة تهدف إلى رقي المجتمع وتعزيز الوحدة والاتّحاد، وترويج الرّخاء والسّلام والمساهمة في تحقيق التّضامن. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الوسيلة يجب أن تتوافق مع الغاية.  

bgg
bgg
bgg
bgg
bgg

دور الشّباب

تسنح أمام كلّ جيل من الشّباب فرصة فريدة للمساهمة في مقدّرات البشريّة. إنّهم يتوقون عادة للمساهمة في بناء عالم أفضل، حيث يملكون العديد من القوى الرّائعة الّتي من الضروريّ توجيهها بشكل سليم، لأنّه لو تمّ توجيهها بطريقة سيّئة أو التّلاعب بها من قبل الآخرين، فستؤدّي للكثير من الاضطرابات الإجتماعيّة.  ومن بين شباب الكويت اليوم أولئك المدركون أنّ ليست هناك أعمال صالحة أعظم في الوجود من نفع الناس جميعًا“، لذا ينهض هؤلاء الشّباب لخدمة المجتمع بكلّ تفانٍ. إنّ انتهاج الفرد طريقًا للخدمة في رقي مجتمعاتهم بغضّ النّظر عن شكل النّشاط الّذي يقوم به يستلزم إخلاصًا و مثابرة، وبهذا الصّدد فإن فائدة السّير على ذلك الطريق برفقة الآخرين عظيمة.  فالزّمالة الحبيّة والتّشجيع المتبادل والرّغبة في التّعلم المشترك هي الخصائص الطّبيعيّة الّتي تميّز أيّ مجموعة من الشّباب تكافح بصدق لتحقيق نفس الأهداف النّبيلة.  

Avada Macbook Image

مسؤوليّتنا تجاه المجتمع

مبادرة موضي:

انتقلت موضي إلى منطقة جديدة، وقد أزعجتها رؤية كلمات لا تليق بكرامة الإنسان مرسومة على جدار محوّل الكهرباء في “فريجها”، تحدّثت الى جارتها لإزالة هذه العبارات غير اللّائقة عن الجدار، ساهم بعض افراد “الفريج” بالحصول على الصّبغ والأدوات اللّازمة، وقام آخرون بعمليّة صبغ الجدار.

بعد قليل أتى شابّ من الحيّ و سأل:  “ماذا تفعلون؟”

فأجابوا:  “نجمّل الحي.”

عبّر الشّاب عن استعداده وأصدقاءه لتوفير بعض الأزهار لزراعتها في السّاحة الّتي تحيط بالمحوّل، وبعد بضعة أشهر، أصبحت السّاحة جميلة تزيّنها الأزهار ويستمتع بها سكّان الحيّ.  غمرت السّعادة قلوب الشّباب لمساهمتهم بتطوير الحيّ، وبدأوا يتساءلون عن مسؤوليّتهم تجاه المجتمع ككلّ!

 

قد تكون الخطوات الّتي اتّخذتها موضي برفقة شباب حيّها خطوات بسيطة لتحسين أحوال الحيّ الّذي يعيشون فيه، ولكن من المؤكّد أنّ هناك روحًا من الوحدة و العمل الجماعيّ قد نشأت بين أفراد الحيّ.

pic4
pic3
pic2
pic1-UPDATEDDD

دور الشّباب تجاه الجيل

الأصغر منهم سنًّا

يُسعد الإنسان مشاهدة الشّباب في الكويت منخرطين فعليًّا في تقدّم المجتمع ورقيّه عن طريق القيام بخدمات جماعيّة، ويرافقون أولئك الّذين يصغرونهم سنًّا ويدعمونهم ويكونون لهم خير قُدوة ومثال.  أنّ مرحلة الشّباب هي الّتي يكتسب الشّباب خلالها الخبرة القصوى لمساعدة الجيل الأصغر منهم سنًّا في تطوّرهم الأخلاقيّ والرّوحانيّ، معزّزين لديهم القدرة على الخدمة الجماعيّة والصّداقة الحقيقيّة حيث يمدّون إليهم يد العون لتهذيب أخلاقهم وإعدادهم لتحمّل مسؤوليّة خير مجتمعاتهم ورفاهها.  ومع دخولهم سنّ المراهقة، يساعدهم الشّباب على تعزيز قوّة التّعبير لديهم، وكذلك على تمكين حسّ أخلاقي قويّ ليتجذّر في نفوسهم. وفي قيامهم بذلك، يعكسون ما تفضل به حضرة بهاء الله “بأعمالكم تزيّنوا لا بأقوالكم.”

النّاشئة (سنّ المراهقة)

كونهم في الفترة العمريّة بين الإثني عشر والخامسة عشر ويعيشون في مرحلة انتقاليّة من الطّفولة إلى الشّباب، يمرّ الشّباب المراهقون بتغييرات جسديّة وفكريّة وعاطفيّة سريعة، تتطوّر فيها قواهم الرّوحانيّة، ووصولهم إلى مستوى جديد من الوعي يعزّز لديهم اهتمامًا متزايدًا بمسائل عميقة ويزيد من مواهبهم وقدراتهم. حيث أنّ مداركهم تتّسع… وتتقوّى،”  وقدراتهم الفكريّة “تتربّى… وتُشحذ.”  وخلال فترة السّنوات الثّلاث الحرجة والقصيرة هذه، تتكوّن لديهم أفكار حول الفرد والمجتمع قد تشكّل بقية حياتهم إلى حدّ كبير.  مع ذلك، غالبًا ما يصاحب الابتهاج بظهور تلك القوى الجديدة القلق وعدم الارتياح والشّك الّذي قد يؤدّي إلى بروز تناقضات في سلوكهم.  لهذا، فالمطلوب في هذا العمر هو توجيه قواهم الجديدة نحو الخدمة المتفانية للإنسانيّة.  وهذا يستلزم تلقّيهم التّربية والرّعاية السّليمتين وبعكس ذلك تُكبت صفاتهم في هواء النّفس النّتن.”

لنتأمّل معًا:  كيف يمكن لكلّ شابّ و شابّة تشكيل هويّة أخلاقيّة قويّة خلال السّنوات الحاسمة من مرحلة مراهقتهم المبكّرة والمساهمة في خير المجتمع ورخائه؟

114
115
IMG-20130225-WA0007

التّربية الرّوحانيّة للأطفال

إنّ حماية الأطفال من تأثير التّيّارات غير الأخلاقيّة في مجتمعنا الحاضر تُعتبر واحدة من أكبر التّحدّيات الّتي تواجه الوالدين.  لذا فإنّ الاهتمام بتّربية الأطفال منذ نعومة الأظفار لتنمية قدراتهم، وعاداتهم، ومواقفهم ومُعتقداتهم لهو أمرضروريّ وبحاجة إلى مساهمة جماعيّة من الوالدين والمجتمع على حدٍّ سواء وذلك لتوفير البيئة المناسبة لإظهار مواهبهم المكنونة.

يتفضل حضرة بهاءالله بقوله “انظر إلى الإنسانِ بمثابةِ معدنٍ يحوي أحجارًا كريمةً تخرجُ بالتّربيةِ جواهرُهُ إلى عَرْصَةِ الشّهودِ وينتفعُ بها العالمُ الإنسانيُّ.”  يجب تطوير هذه “الجواهر” بوعي لأّنه حتّى وإن كان النُّبل، والخير والجمال من الخصائص الفطريّة لطبيعتنا، إلّا أنّه من الممكن أن يقع الإنسان ضحيّة نزعات تُفسد حقيقته الجوهريّة وتخمد نور المحبّة.

ألا يتوق كلّ أب وأمّ ممّن يهمهم مستقبل أبنائهم لإيجاد الوسائل الّتي تساعد على تنمية قدرات أطفالهم الرّوحانية، فيغرسوا فيهم الأسس الّتي تقوم عليها الأخلاق المتّصفة بالنّبل والاستقامة؟

bgg
bgg

 

الدّعاء والمناجاة

الدّعاء والمناجاة حديث مباشر بين روح الإنسان وخالقه؛ وبمنزلة الغذاء للرّوح الّذي يعزّز ويمكّن وينمّي الحياة الرّوحانيّة؛ ومثل ندى الصّباح يهب الطّراوة واللّطافة للقلوب، ويطهّر الرّوح وينزّهها من علائق النّفس الأمّارة. 

إنَّ أرقَى نوعٍ من المناجاةِ هو الّذي يقصدُ منهُ محبّةُ اﻟﻠّﻪِ، لا خوفًا منهُ تعالى أو من نارهِ ولا أملًا بفضلهِ أو بفردوسهِ”، فتلاوة الدّعاء والمناجاة بكلّ صدقٍ وطهارة قلب تفضي إلى التّعمّق والتّأمّل وفي النّهاية تنوّر العقل والإدراك الإنسانيّ.  

shortcodes

العبادة و الخدمة معًا هما

الوسيلة المُثلى لرُقيّ الإنسان.

يجتمع جاسم مع بضع من أصدقائه من ثقافات مختلفة مرّة كلّ أسبوع، يدعون ويتأمّلون معًا في كلمات مقدّسة من مختلف الأديان والمعتقدات السّامية، وكم هو مدهش اكتشاف أنّ جميعها واحدة في جوهرها ومكمّلة لبعضها البعض“غُضّوا الأعين عن التّجانب والابتعاد و انظروا إلى التّقارب والاتّحاديستلهمون من هذه القوى الرّوحانية ويستمدّون منها لوضع خطوات عمليّة في تحديد خدمات بسيطة يقومون بها لإحياء العلاقات الإنسانيّة السّامية بين أفراد المجتمع.

إنّ الدّعاء برفقة الآخرين يمثّل جانبًا جماعيًّا للحياة الرّوحانيّة ويُعتبر فرصة ثمينة من أجل التّوسّل إلى الله طالبين عناياته وبركاته في الحياة وهو الحافز لخدمة المجتمع والوطن والجنس البشريّ.

shortcodes
Avada Macbook Image
place-updated
huhoi-updated

التّعايش

إنّ البهائيّين في أنحاء العالم وبكلّ تواضع يجهدون لتأسيس نمط من النّشاط وما يستتبعه من هياكل إداريّة يجسّد مبدأ وحدة العالم الإنسانيّ والمعتقدات الّتي تقوم عليها، نذكر هنا بعضًا منها على سبيل الإيضاح:  إنّ الرّوح الإنسانيّ ليس له جنس ولا عرق ولا قوميّة ولا طبقة، تلك حقيقة تعتبر أنّ جميع أشكال التّعصّب غير مقبولة بشكل مطلق وخاصّة تلك الّتي تحول دون تحقيق النّساء إمكاناتهنّ الكاملة والاشتغال في ميادين المساعي المختلفة جنبًا إلى جنب مع الرّجل؛ إنّ السّبب الأصليّ للتّعصّب هو الجهل الّذي يمكن ازالته من خلال العمليّات التّعليـميّة الّتي تجعل المعرفة في متناول الجنس البشريّ بأسره وتضمن أن لا تصبح مُلك أقليّة ذات أفضليّة؛ إنّ العلم والدّين نظامان متكاملان للمعرفة وتطبيقها، بهما يتمكّن أفراد البشر من فهم العالم الّذي يحيط بهم، وبواسطتهما تتقدّم الحضارة؛ إنّ الدّين بدون العلم سرعان ما ينحطّ إلى مستوى الخرافة والتّعصّب، والعلم بدون الديّن يصبح أداة للماديّة البحتة؛ إنّ الازدهار الحقيقيّ، هو ثمرة اتّساق ديناميكيّ بين المتطلّبات الماديّة والرّوحانيّة للحياة، فترجمة مُثل عليا كهذه إلى واقع لتُحدث تغييرًا على المستوى الفردي، وتُرسي أسس منظومات اجتماعية مناسبة، من المؤكّد أنّها ليست بالمهمّة الضّئيلة، و مع ذلك فإنّ الجامعة البهائيّة قد كرّست نفسها لعمليّة تعلّم طويلة المدى تستلزمها هذه المهمةّ، عمليّة تتمثّل في مشروع يدعو أعدادًا متزايدة من جميع المنابت والمشارب ومن كافّة المجموعات البشريّة للمشاركة فيه.

يتميّز مجتمعنا في الكويت بنعمة التّنوّع واحتوائه على ثقافات وجنسيّات متعدّدة فنعيش معًا بكلّ تسامح ونعتبر أنفسنا مسؤولين عن تطوّر هذا المجتمع المتسامح وتحوّله ليسمو بتفاعلاته وعلاقاته إلى مرتبة التّعايش ضمن إطار وحدة الجنس البشريّ، لذا نتحاور في مجموعات مختلفة عن كيفيّة تحقيق الوحدة القائمة على مبدأ العدل والإنصاف والتّعرف على مفهوم التّعايش. 

shortcodes

المواطنة

الهويّة الفرديّة والجماعيّة

إنّ الهويّة الفرديّة والجماعيّة وإحساسنا بمن نكون وكيف نتلاءم مع العالم من حولنا يشكّلان جانبًا مهمًّا من تفاعلنا الاجتماعي كبشر وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإحساسنا بالهدف وبكيفيّة إدراكنا لعلاقاتنا بالآخرين.  ففي عمليّة بناء الحضارات، كان هناك عاملٌ بارزٌ ألا وهو قدرة البشر الجليّة على تشكيل هويّات تتجاوز أيّ اختلافات حقيقيّة أو خياليّة.  ولكن مع ذلك فإن هؤلاء الّذين طمحوا في اكتساب منفعة على حساب الآخرين، استندوا في أغلب الأحيان إلى الفروقات الحقيقيّة أو الوهميّة كوسيلة لتقسيم البشر- وذلك من أجل تحقيق مآربهم وطموحاتهم الشّخصيّة.  وعلى مرّ الزّمن، ترسّخت هذه الاختلافات المنبثقة من المصلحة الذّاتيّة و أخذت قالبًا من البُنى النّمطيّة المتعلّقة بالعرق والجنس والجنسيّة والإثنيّة.  غالبّا ما كانت هذه البُنى النّمطيّة  تُستخدم في تعريف البشر وتقسيمهم إلى مجموعات.  إن تحديد خصائص اجتماعيّة ومادّيّة معيّنة بهذا المفهوم الضّيق ووضعها في مركز فهمنا لأنفسنا وللآخرين كان له عواقب مدمّرة، سواءً استُخدمت تلك الهويّة كأساس للبحث عن أفضليّة على الآخرين أو ترسّخت ردًا على تجربة التّعصّب والقمع فجزء من الواقع الاجتماعيّ المجزّأ بشدّة الّذي نجده من حولنا اليوم ما هو إلّا من تبعات هذه البُنى الضّيّقة للهويّة وملحقاتها.

DSC_0293
IMG086

الهويّة المشتركة

تخطّيًا للطّرق المجزّأة الّتي لجأ إليها الأفراد والمجموعات للتّعريف عن أنفسهم،  كان هناك وعلى مرّ التّاريخ سعي من قبل رجال ونساء ذوي بصيرة مستوحاة غالبًا من الكتب المقدّسة إلى توسيع الوعي البشريّ من خلال لفت الأنظار إلى ما هو أكثر جوهريّة عن طبيعة الإنسان:  وهي تلك الحقيقة المكنونة الّتي تولد مع كلّ إنسان، انعكاس صفات الله سبحانه وتعالى في كلّ واحد منّا والتي تشكّل عاملًا مشتركًا تامًّا فيما بيننا، وهي كاملة في داخلنا، بدلًا من التّسميات المجزّأة الّتي يسبغها علينا المجتمع في دورة حياتنا.  إنّ هذه الهويّة الإنسانيّة الأساسيّة الشّاملة والمتجذّرة في حقيقة الرّوح الإنسانيّة المنزّهة عن الجنس أو العرق أو الجنسيّة أو غيرها من الفروقات الجسديّة والاجتماعية يمكن فهمها وتطويرها بأسلوب يُقَدِّر، في الوقت نفسه، العديد من الجوانب الثّانويّة للتّنوّع البشريّ.  فمن خلال الشّعور الرّاسخ بالأمان، الّذي يأتي من إدراك واعٍ لطبيعة المرء الرّوحانيّة الكامنة والّتي تشترك فيها البشريّة جمعاء، يصبح من الممكن للفرد أن يستمدّ الفرح ويقدّر جميع الجوانب الأخرى لهويّته.  يمكن أن يتمّ ذلك بروح من الانفتاح- استعداد لمشاركة الآخرين والتّعلّم منهم. هذا التّعبير الموسّع عن إنسانيّتنا المشتركة يُعبّر عنه في المقتطف التّالي من الآثار البهائيّة:  “هل عرفتم لما خلقناكم من ترابٍ واحدٍ؛ لئلّا يفتخرَ أحدُ على أحد.  وتَفكَّروا في كلّ حينٍ في خلقِ أنفسكم؛ إذًا ينبغي كما خلقناكم من شيءٍ واحد أن تكونوا كنفسٍ واحدةِ…”

إنّ الهويّة المشتركة على المستوى الجماعيّ والّتي هي روحانيّة في طبيعتها، تعمل كأساس لوحدة البشريّة.  فهي لا تتجاوز الاختلافات الّتي تنشأ بسبب الولادة أو التّربية فحسب بل توحي أيضًا بالعمل من خلال توحيد النّاس وحملهم على التّعاون وتكوين علاقات وبناء المجتمعات.  هذا هو السّبيل الوحيد للبشر ليتمكّنوا من تحقيق هدفهم المزدوج والمتمثّل بتطوير إمكاناتهم الفردية والمساهمة في النّهوض بالمجتمع. إنً مبدأ وحدة الجنس البشري هو تعبير عن حقيقتنا الجوهريّة.  

shortcodes

الوحدة في التّنوع 

إن التّشبيه بالجسم الإنساني يوضّح كيف أنّ مبدأ الوحدة يمكنه أن يضبط النّظام الاجتماعيّ.  ففي داخل الجسم هنالك الملايين من الخلايا الّتي تتميّز بتنوع رائع من ناحية الشّكل والوظيفة، تتعاون لجعل وجود الإنسان ممكناً. فهي تعطي وتتلّقى كلّ ما هو مطلوب لأداء وظيفتها الخاصّة بها وكذلك لنمو وخير الجسد بكامله.  ولن تجد أحدًا يجادل بقوله أنّه حتّى يتسنّى للجسم العمل بشكل أفضل لا بدّ أن تصبح جميع خلاياه متطابقة؛ لأنّ هذا التّماثل من شأنه أن يجعل الجسم غير قادر على القيام بأيّ من المهام المعقّدة اللّازمة لوجوده.  فالمبدأ الّذي يحكم سير العمل في جسم الإنسان هو“الوحدة في التّنوّع والتّعدّد”.  لذلك من الممكن أن نتصوّر المجتمع البشريّ بطريقة مشابهة، إذ يتكوّن المجتمع من أعداد كبيرة من الأفراد والجماعات ذات الانتماءات المختلفة والهويّات الثّانويّة ولكنّها تتمتّع أيضًا بهويّة أوليّة أساسيّة متمثّلة بالطّبيعة الروحانيّة المشتركة مع بقيّة البشر. هذه الهويّة الّتي تعكس حقيقة جميع البشر تشكّل أساس جهودهم الجماعيّة للمضيّ قُدُمًا لتحقيق الصّالح العام. فالتّحدي الماثل أمامنا هو كيفيّة المساهمة في تعزيز الهويّة الوطنيّة مع الحفاظ على مجتمع متنوّع

shortcodes

الحياة الرّوحانيّة

إنّ الباعث الرّئيس لرسالة حضرة بهاء الله هو بيان حقيقة الوجود على أنّها في الأساس روحانيّة في طبيعتها، وشرح القوانين الّتي تحكم فعل الحقيقة ونفوذها فرسالة حضرة بهاء الله لا تعتبر الفرد مجرد كائن روحي و“نفس ناطقة” فحسب، بل تؤكّد على أنّ ذلك التّفاعل، الّذي نسمّيه حضارة، يمثّل في حدّ ذاته مسارًا روحيًّا يتكاتف فيه العقل والضّمير الإنسانيّ على مرّ الزّمان لخلق الوسيلة الأكثر كفاءة وتعقيدًا للتّعبير عما يجيش في القلب ويساور العقل من القدرات الرّوحيّة والفكريّة الدّفينة في الإنسان.

ويؤكّد حضرة بهاء الله حين يرفض المبادئ المادّيّة السّائدة على أنّه جاء بتفسير يخالف المفهوم الدّارج لمسار التّاريخ.  فالإنسانيّة تمرّ بمراحل مختلفة من الطّفولة إلى البلوغ، ولقد وصلنا الآن في رحلتنا عبر هذه المراحل إلى عتبة مرحلة النّضج الّتي طال انتظارها لتصبح جنسًا بشريًّا موحّدًا.  فالحروب ومظاهر الاستغلال والتّعصّبات الّتي سادت مراحل عدم النّضوج في المسيرة الحضاريّة ينبغي ألّا تكون مدعاة لليأس، وإنّما يجب أن تكون حافزًا للاضطلاع بالمسؤوليّات الّتي يفرضها علينا نضجنا الجماعيّ.

يصرّح حضرة بهاء الله بأنّ القضيّة الرّوحية الرئيسة الّتي يواجهها كلّ النّاس، بغضّ النّظر عن انتماءاتهم الوطنيّة أو الدّينية ّأو العرقيّة، هي وضع أسس مجتمع عالميّ تتمثّل فيه وحدة الطّبيعة الإنسانيّة.  إذ إنّ وحدة سكّان المعمورة واتّفاقهم ليس رؤية إصلاحيّة مثاليّة مبعثها الخيال، ولا هي في محصّلتها النّهائية خاضعة للخيار، بل هي تجسيد للمرحلة الحتميّة القادمة في سياق التّطوّر الاجتماعيّ، ستدفعنا إليها مجبرين تجارب الماضي وخبرة الحاضر بأسرها.  وما لم يتمّ الاعتراف بهذه القضيّة كحقيقة واقعة والعمل على معالجتها، فلن تتوفّر الحلول الّناجعة لإزالة الشّرور والأمراض الّتي ابتُلي بها كوكبنا، لأنّ تحدّيات عصرنا الّذي ولجناه كلّها في الأساس عالميّة النّطاق تتّسم بالشّمول لا الخصوصّية، ولا تتعلّق بإقليم دون الآخر