البهائيون في الكويت

كانت الكويت منذ القدم وبحكم موقعها الفريد ملتقى للحضارات والثقافات والأديان المتنوّعة التي استقرّت في هذه الأرض الطّيبة. وقد كان البهائيون من ضمن هذا الطّيف من البشر الذين قدموا إلى الكويت وارتبطوا بها واتّخذوا منها موطنا لهم ولأجيالهم القادمة.

يرجع تاريخ دخول الدّين البهائي إلى الكويت إلى العام ١٩١٤ حين قدم إليها أحد البهائيين من مصر وعمل مدرّسا في إحدى المدارس الحكومية. ثم في الأربعينات من القرن الماضي ازداد عدد البهائيين والذين جاء أغلبهم من الدول المجاورة كالعراق وإيران واختاروا الاستقرار في الكويت، وشاركوا في تقدم هذا الوطن من خلال مساهماتهم في الهندسة والتّعليم والتّجارة. كان هدفهم بناء حضارة مزدهرة مادّيا وروحانيّا وشعارهم أنّه "لا يمكن إصلاح العالم إلا بالأعمال الطّيبة الطّاهرة و الأخلاق الرّاضية المرضيّة". ومنذ ذلك الوقت ارتبط مصير البهائيين في الكويت بمصير هذه الأرض، فعشنا معا في السّراء والضّراء واتّحدنا في وجه الظّلم والتّعدي، وتكاتفنا من أجل البناء والنّمو.

والبهائيون اليوم وفي مختلف بقاع العالم، ينتمون إلى أجناس وأعراق وشعوب وقبائل وجنسيات متعدّدة. ويساهمون سويا مع الجميع في ازدهار ورفاه المجتمع، فيتفضّل حضرة بهاء الله: "قد خلقتم للوداد لا للضّغينة والعناد، ليس الفخر لحبّكم أنفسكم بل لحبّ أبناء جنسكم" ونحن في الكويت نسعى جنبا إلى جنب مع بقية الأفراد والمنظّمات والمجتمعات في خلق بيئة تفضي إلى الوحدة والتّعايش وتحفّز على العمل والتّعلم والتّشاور من أجل تحقيق السّلام والوحدة. بالإضافة إلى مساهمة "المكتب البهائي العالمي" في مكتب هيئة الأمم المتحدة في أمور تخص التّطور الاجتماعي والاقتصادي.

نبذة عن الدين البهائي

يؤمن البهائيون باستمرارية الهداية الإلهيّة وبأنّ كلّ الأديان السّابقة سماويّة في أصلها، متّحدة في أهدافها، متكاملة في وظائفها، متّصلة في مقاصدها، وقد جاءت جميعُها بالهدي لبني الإنسان. إن مجيء حضرة بهاءالله الّذي تنبّأ به رسل الله على مدى العصور هو الدّواء الناجع لهذا الزمان. إننا نعيش في يوم نرى فيه بأم أعيننا كيف أن المثل العليا قد ازدادت ضعفا في مختلف الأمم وبشتى الطّرق وأصبح جليا أن القوّة الأخلاقية التي تعمل على الحفاظ على المجتمع قد استنزفت على نحو خطير، وهنا تستدعي الاستجابة من كل قلب يتألّم على أوضاع العالم البائس وأحواله المزرية بحيث لم يعد بمقدور الكثير من النّاس أن يجدوا لها فرجا ومخرجاً. إن المدنّية المستقبليّة التي ارتآها حضرة بهاءالله تمتاز بالازدهار والرّخاء، وذلك من خلال نهوض كل فرد بالعمل لخدمة البشرية ودعمها. فالعمل المتّسم بالعزم والتّفاني وبالأدوات والوسائل التي وضعها حضرة بهاءالله، لأعظم استجابة من جانب كل فرد مهتم تؤرقه الأمراض المتفشّية في مجتمع يعمّه الفساد، والصّراعات. ونحن نتأثـّر بشدّة من هذه الصّراعات ويتملّكنا الحزن جرّاء الدّمار من حولنا، هنا لا بد من هداية إلهيّة للبشريّة، ووحدها القدرة الإلهيّة باستطاعتها أن تخرجنا من هذا المأزق، حتى نعيش كعائلة متّحدة في مجتمع عالمي تسوده العدالة. "لم يزل كان إصلاح العالم بالأعمال الطّيبة الطّاهرة والأخلاق الرّاضية المرضيّة" -حضرة بهاءالله-

لمحة عن التّاريخ

حضرة الباب (1819 - 1850)

واسمه السّيد علي محمّد، ولد في مدينة شيراز جنوب إيران، ولقّب بالباب فيما بعد، أي أنه كان حقاً بابا إلى دخول مرحلة جديدة في تاريخ البشرية. أعلن حضرة الباب دعوته عام 1844 م، وكان الهدف الرئيس من رسالته تمهيد الطّريق لمجيء حضرة بهاءالله حيث أخبر الناس أنهم يشهدون فجر عصر جديد، وطلب منهم أن يطهّروا قلوبهم من الشّؤون الدنيوية كي يكون باستطاعتهم معرفة من سيظهره الله والذي سيأتي قريبا. وبالرغم من قصر مدة دعوته إلا أنها احتوت على قوّة روحانيّة عظيمة.

"إنّ حضرة الباب لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي حضرة بهاءالله الذي وعدت به الكتب والصّحف والزّبر والألواح السابقة جميعها. -حضرة عبدالبهاء-

حياة حضرة الباب

حضرة بهاء الله (1892-1817)

واسمه الميرزا حسين علي، وُلد في طهران. منذ حداثته كانت تظهر عليه علامات العظمة، لم يذهب للمدرسة، لأنه كان موهوباً من الله بعلم لدنّي. ينحدر أصل حضرة بهاء الله من عائلة نبيلة، وقد عُرض عليه منصب عال في الوزارة لكنّه رفض ذلك. كان يُكرّس وقته لمساعدة المظلومين، والمرضى والفقراء. وفي عام 1863 م في بغداد أعلن حضرة بهاءالله بأنَّه الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب، والّذي بظهوره تتحقّق نبوءات ووعود الأديان السّابقة.

لقد بُذل كل جهد لمعارضة حضرة بهاء الله وتعاليمه، ولهذا قُرّر نفيه إلى إسطنبول في تركيّا. ومن ثمّ نُفي إلى مدينة صغيرة في شمال تركيّا تُدعى أدرنة. وبعد ذلك نفته الحكومة العثمانيّة إلى الأرض المقدسة، حيث قضى بقيّة حياته في مدينة عكّا حتّى تُوفي في عام 1892م. استطاع حضرة بهاء الله أثناء نفيه أن يبلّغ رسالته إلى رؤساء العالم وملوكه آنذاك.

وبعد وفاة حضرة بهاء الله قُرئت وصيّته الّتي عُرفت باسم "كتابُ عهدي"، وتبيّن أنّه عيّن خليفةً ومبيّنًا لتعاليمه وهو ابنه البار حضرة عبد البهاء الّذي قام طيلة حياته بشرح العديد من الّتعاليم البهائيّة وتفسيرها. وبهذا التّعيين حُفظ الدّين البهائيّ من التّفرق.

ترك لنا حضرة بهاء الله ميراثًا عظيمًا، هو كتاباته؛ وهي جميعها تدعو إلى إيجاد عالم أفضل وبشر أرقى وجوّ مليء بالمحبّة والألفة والروحانيّة حتى تتحقّق تدريجيًّا الوعود الإلهيّة المذكورة في الكتب السّالفة.

حياة حضرة بهاءالله

"يا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ"

حضرة بهاء الله

رسالة حضرة بهاءالله

"كلّكم أثمار شجرةٍ واحدةٍ وأوراق غصنٍ واحدٍ"

حضرة بهاء الله

جاء حضرة بهاءالله برؤى لتوحيد أبناء البشريّة في ظلّ راية الوحدة. إنّ الحقيقة القائلة بأنّ البشريّة شعب واحد، والّتي قوبلت فيما مضى بالشّك والإنكار، هي اليوم موضع ترحيب وقبول واسع النّطاق.

"ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم"

حضرة بهاء الله

كما أنّ رفض التّعصّبات المتأصّلة، والحسّ المتنامي بالمواطنة العالميّة، هما من الشّواهد على تزايد هذا الوعي. مع ذلك، مهما كان هذا الازدياد في الوعيّ الجماعيّ واعدًا، يجب اعتباره مجرّد خطوة أولى في عمليّة ستستغرق عقودًا، لا بل قرونًا، حتّى تبرز وتتكامل؛ ذلك لأنّ مبدأ وحدة العالم الإنسانيّ كما نادى به حضرة بهاء الله لا يستدعي مجرّد التّعاون بين الشّعوب والأمم فحسب، بل يحتاج إلى إعادة كاملة لصياغة المفاهيم المتعلّقة بالرّوابط الّتي تهب المجتمع نعمة البقاء، فقد جاء حضرة بهاء الله لتغيير الحياة الوجدانيّة والأحوال الاجتماعيّة للبشريّة على حد سواء.

"اليوم، يوم الفضل الأعظم، والفيض الأكبر وعلى الجميع أن يجدوا الرّاحة والاطمئنان بتمام الاتّحاد والاتّفاق في ظل سدرة العناية الإلهية"



مجتمع نابض بالحياة

إن كل فرد في العائلة الإنسانية لا يملك فقط الحق بالاستفادة من مدنيّة مزدهرة مادّيا وروحانيا، وإنما يملك أيضاً القدرة للمساهمة في إنشائها من خلال الفكرة المتمثلة أساساً بخدمة متفانية ومتميزة من نكران الذات. هناك مبادئ روحية يصفها البعض بأنها قيم إنسانيّة يمكن عن طريقها إيجاد الحلول لكل مشكلة اجتماعية. وعلى وجه العموم، فإن أية مجموعة بشرية صادقة النوايا تستطيع وضع الحلول العملية لمشكلاتها، ولكن، توافر النوايا الصادقة والخبرة العملية ليس كافياً في غالب الأحيان. فأي مبدأ روحي يولد طاقة وإرادة وطموحاً وكل ذلك يسهل اكتشاف الحلول العملية وطرق تنفيذها ولا ريب في أن الجميع سيدعمون هذه الجهود في سبيل حل المشكلات إذا سعوا في بادئ الأمر إلى تحديد المبادئ وتعيينها، ومن ثم الاهتداء بهديها.

إنّ العمل الّذي يُؤدّى بروح الخدمة لإخواننا في البشريّة هو بمنزلة عبادة الله سبحانه وتعالى. لذا نتعاون مع الآخرين سواء كانوا أفراداً أو مجتمعات أو مؤسّسات، للقيام بمساعٍ مشتركة تهدف إلى رقي المجتمع وتعزيز الوحدة والاتّحاد، وترويج الرّخاء والسّلام والمساهمة في تحقيق التّضامن. وكوننا جزءاً من شريحة هذا المجتمع نساهم مع إخواننا في بناء الوطن وتقدّم الكويت وازدهارها مادياً ومعنويآً. بروح الخدمة المتفانية، نشارك في الدعاء مع جميع أطياف المجتمع طالبين من الله عز وجل عناياته وبركاته على وطننا وإخواننا أجمعين. وكذلك نساعد في التمكين الأخلاقي لأطفالنا وشبابنا ونرافقهم في خدمة الكويت الحبيبة بكل تفانٍ وإخلاص.

"يا ابن الإنسان لو تكون ناظرا إلى الفضل ضع ما ينفعك وخذ ما ينتفع به العباد وان تكن ناظرا إلى العدل اختر لدونك ما تختاره لنفسك"

لنخدم وندعو سويّا

منذ آلاف السّنين يتوجّه أتباع الدّيانات المختلفة إلى الباري تعالى بالدّعاء والمناجاة. ويُمكّن هذا الغذاء الرّوحاني النفوس من اكتساب الفضائل الرّحمانيّة والاقتراب قدر الإمكان من الله عزّ وجلّ. يتفضّل حضرة بهاءالله:

”أن اجتمعوا بالرّوح والرّيحان ثم اتلوا آيات الرّحمن، بها تفتح على قلوبكم أبواب العرفان إذًا تجدون أنفسكم على استقامة وترون قلوبكم في فرح مبين“

حضرة بهاء الله

ويؤمن البهائيّون أنّ الدّعاء يُقرّب المسافات بين النّاس ويقرب النّفوس. لذلك، يحرصون على تعزيز السّمة التعبّدية ويدعون جميع من يشاركونهم الرؤية باختلاف عقائدهم إلى الدعاء في جوّ من التبتّل والخشوع لنموّهم الروحاني ورخاء وازدهار مجتمعهم. وتكون بمثابة مناسبات هامة تتولد فيها مشاعر المودّة والألفة والهدف المشترك، خاصة وأن طبيعتها تتيح للمشاركين فرصة التحدث في الجوانب والمواضيع العميقة والهادفة.

الطّريق إلى إصلاح العالم

التّربية الأخلاقيّة للأطفال ومرحلة الشباب

إنّ حماية الأطفال من تأثير التّيّارات غير الأخلاقيّة في مجتمعنا الحاضر تُعتبر واحدة من أكبر التّحدّيات الّتي تواجه الوالدين. لذا فإنّ الاهتمام بتربية الأطفال منذ نعومة الأظفار لتنمية قدراتهم، وعاداتهم، ومواقفهم ومُعتقداتهم لهو أمر ضروريّ وبحاجة إلى مساهمة جماعيّة من الوالدين والمجتمع على حدٍّ سواء وذلك لتوفير البيئة المناسبة لإظهار مواهبهم المكنونة.

يتفضل حضرة بهاءالله بقوله "انظر إلى الإنسانِ بمثابةِ معدنٍ يحوي أحجارًا كريمةً تخرجُ بالتّربيةِ جواهرُهُ إلى عَرْصَةِ الشّهودِ وينتفعُ بها العالمُ الإنسانيُّ" يجب تطوير هذه "الجواهر" بوعي لأّنه حتّى وإن كان النُّبل، والخير والجمال من الخصائص الفطريّة لطبيعتنا، إلّا أنّه من الممكن أن يقع الإنسان ضحيّة نزعات تنزل من مقامه كأشرف المخلوقات.

ألا يتوق كلّ أب وأمّ ممّن يهمهم مستقبل أبنائهم لإيجاد الوسائل الّتي تساعد على تنمية قدرات أطفالهم الرّوحانية، فيغرسوا فيهم الأسس الّتي تقوم عليها الأخلاق ؟

من الأهمية أن نعلم إن هذه الوسائل تكمن في ثلاثة أنواع : تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية أخلاقية، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سُبُل المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية التي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأما التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة التي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الأخلاقية فهي تربية ملكوتيّة وهي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مظهر (لنعملنّ إنسانًا على صورتنا ومثالنا) وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنسانيّ.

"إنّ تعليم الأطفال وتربية النّاشئة والشباب من أعظم المناقب للإنسان، لأنّه أسّ أساس فضائل العالم الإنسانيّ، وعندما يتربّى الولد وهو في سنّ الطّفولة مثل غرسة على ضفّة ساقية العلم والإدراك، يشرب بعناية من بستانيّ الحديقة، ولا شكّ أنّه يأخذ نصيبه من أشعّة شمس الحقيقة ويتّسم بالطّراوة واللّطافة البالغة في بستان الوجود إثر حرارة الشّمس وأشعّتها، إذًا يجب على المعلّم أن يكون حكيمًا، وذلك يعني أن يربّي الأطفال ويعدّل أخلاقهم ويعلّمهم العلم والحكمة ويعوّدهم على الشّيم والخصال الرّبّانيّة فيكون للأخلاق طبيبًا كي يعالج أبناء البشر من الأمراض الرّوحانيّة.، فكلّ طفل يمكنه أن يغدو سببًا لإنارة العالم أو سببا لظلمته، لهذا يجب اعتبار مسألة التّربية أمرًا في غاية الأهمّيّة.

وبعد هذا كله وعندما يخرج الأطفال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب يزداد وعيهم ويظهر الحماسة والشوق لتسخير طاقاتهم للعمل على تحسين مجتمعاتهم، إن المحادثات الهادفة حول هذه المواضيع تشعل جذوة الاهتمام بكيفية توجيه قواهم المادّية والروحيّة في هذه المرحلة من حياتهم نحو تلبية احتياجات الآخرين لا سيّما الأجيال الأصغر سناً.

مسؤوليّتنا تجاه المجتمع

التعايش

إنّ الرّوح الإنسانيّ ليس له جنس ولا عرق ولا قوميّة ولا طبقة. تلك حقيقة تعتبر جميع أشكال التّعصّب غير مقبولة بشكل مطلق لأنها تحول دون تحقق الإمكانات الكاملة للأفراد في المجتمع. إنّ السّبب الأصليّ للتّعصّب هو الجهل الّذي يمكن إزالته من خلال العمليّات التّعليميّة الّتي تجعل المعرفة في متناول الجنس البشريّ بأسره وتضمن أن لا تصبح مُلك أقليّة ذات أفضليّة. إنّ العلم والدّين نظامان متكاملان للمعرفة وتطبيقها، بهما يتمكّن أفراد البشر من فهم العالم الّذي يحيط بهم، وبواسطتهما تتقدّم الحضارة. إنّ الدّين بدون العلم سرعان ما ينحطّ إلى مستوى الخرافة والتّعصّب، والعلم بدون الديّن يصبح أداة للماديّة البحتة. إنّ الازدهار الحقيقيّ، هو ثمرة اتّساق ديناميكيّ بين المتطلّبات الماديّة والرّوحانيّة للحياة، فترجمة مُثل عليا كهذه إلى واقع لتُحدث تغييرًا على المستوى الفردي، وتُرسي أسس منظومات اجتماعية مناسبة. من المؤكّد أنّها ليست بالمهمّة الضّئيلة، ومع ذلك فإنّ المجتمع البهائي قد كرّس نفسه لعمليّة تعلّم طويلة المدى تستلزمها هذه المهمّةّ، عمليّة تتمثّل في مشروع يدعو أعدادًا متزايدة من جميع المنابت والمشارب ومن كافّة المجموعات البشريّة للمشاركة فيه.

يتميّز مجتمعنا في الكويت بنعمة التّنوّع واحتوائه على ثقافات وجنسيّات متعدّدة، فنعيش معًا بكلّ تسامح، وجميعنا مسئولون عن تطوّر هذا المجتمع المتسامح وتحوّله ليسمو بتفاعلاته وعلاقاته إلى مرتبة التّعايش ضمن إطار وحدة الجنس البشريّ. لذا نتحاور ونتناقش في مجموعات مختلفة عن كيفيّة تحقيق الوحدة القائمة على مبدأ العدل والإنصاف والتّعرف على مفهوم التّعايش.

المواطنة

إنّ الهويّة الفرديّة والجماعيّة وإحساسنا بمن نكون وكيف نتلاءم مع العالم من حولنا يشكّلان جانبًا مهمًّا من تفاعلنا الاجتماعي كبشر، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإحساسنا بالهدف وبكيفيّة إدراكنا لعلاقاتنا بالآخرين. ففي عمليّة بناء الحضارات، كان هناك عاملٌ بارزٌ ألا وهو قدرة البشر الجليّة على تشكيل هويّات تتجاوز أيّ اختلافات حقيقيّة أو خياليّة. ولكن مع ذلك فإن هؤلاء الّذين طمحوا في اكتساب منفعة على حساب الآخرين، استندوا في أغلب الأحيان إلى الفروقات الحقيقيّة أو الوهميّة كوسيلة لتقسيم البشر وذلك من أجل تحقيق مآربهم وطموحاتهم الشّخصيّة. وعلى مرّ الزّمن، ترسّخت هذه الاختلافات المنبثقة من المصلحة الذّاتيّة وأخذت قالبًا من البُنى النّمطيّة المتعلّقة بالعرق والجنس والجنسيّة. غالبّا ما كانت هذه البُنى النّمطيّة تُستخدم في تعريف البشر وتقسيمهم إلى مجموعات. إن تحديد خصائص اجتماعيّة ومادّيّة معيّنة بهذا المفهوم الضّيق ووضعها في مركز فهمنا لأنفسنا وللآخرين كان له عواقب مدمّرة، سواءً استُخدمت تلك الهويّة كأساس للبحث عن أفضليّة على الآخرين أو ترسّخت ردًا على تجربة التّعصّب والقمع. فجزء من الواقع الاجتماعيّ المجزّأ بشدّة الّذي نجده من حولنا اليوم ما هو إلّا من تبعات هذه البُنى الضّيّقة للهويّة وملحقاتها.

 

"الإنسان اليوم هو الذي يقوم على خدمة من على الأرض كلها"

حضرة بهاء الله


الهويّة المشتركة

إنّ الهويّة المشتركة، تعمل كأساس لوحدة البشريّة. فهي لا تتجاوز الاختلافات الّتي تنشأ بسبب الولادة أو التّربية فحسب بل توحي أيضًا بالعمل من خلال توحيد النّاس وحملهم على التّعاون وتكوين علاقات وبناء المجتمعات. هذا هو السّبيل الوحيد للبشر ليتمكّنوا من تحقيق هدفهم المزدوج والمتمثّل بتطوير إمكاناتهم الفردية والمساهمة في النّهوض بالمجتمع. إنً مبدأ وحدة الجنس البشري هو تعبير عن حقيقتنا الجوهريّة. هذا التّعبير الموسّع عن إنسانيّتنا المشتركة يُعبّر عنه في المقتطف التّالي من آثار حضرة بهاءالله:



الوحدة في التّنوع

جميعنا كأوراق شجر واحد وأوراد حديقة واحدة. إن ما يميّز نسيج المجتمع في الكويت هو التنوع الجميل من حيث اللون، الثقافة، الجنسية، والدين، ويا حبذا أن نساهم جميعنا في أن نكون متحدين في تنوّعنا، نتعاون ونساند بعضنا بعضا لنرتقي سوياً إلى الامتياز.

يتفضّل حضرة عبد البهاء:

"لاحظوا أزهار الحدائق على الرغم من اختلاف أنواعها وتفاوت ألوانها واختلاف صورها وأشكالها ولكن لأنها تسقى من منبع واحد وتنتعش من هبوب ريح واحدة وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإن هذا التنوع والاختلاف سبب لازدياد جلال وجمال أزهار الحدائق.. أما إذا كانت أزهار ورياحين الحديقة وأثمارها وأوراقها وأغصانها من نوع ولون واحد ومن تركيب وترتيب واحد فلا معنى ولا حلاوة له. فإذا اختلفت لونًا وورقًا وزهرًا وثمرًا، فإن ذلك زينة وروعة للحديقة وتكون في غاية اللطافة والجمال والأناقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاوت وتنوّع أفكار وأشكال وآراء وطبائع وأخلاق العالم الإنساني فان جاءت في ظل قوّة واحدة ونفوذ واحد فأنّها ستبدو في غاية العظمة والجمال والسّمو والكمال. واليوم لا يستطيع أي شيء في الوجود أن يجمع عقول وأفكار وقلوب وأرواح العالم الإنساني تحت ظلّ شجرة واحدة سوى القوّة الكلّية لكلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء".



تعزيز الحياة العائلية

إنّ أحد المبادئ الاجتماعيّة المهمّة في الدين البهائي هو أنّ النّساء يجب أنْ يُعتبرنَ مساويات للرّجال، فيتمتّعن بحقوق وامتيازات مساوية لما يتمتّع به الرّجال كما ينلن تعليمًا مساويًا. وإنّ أعظم وسيلة يُعتمد عليها هي تّربية وتّعليم البنات، فتـنال البنات تعليمًا لا يقلّ جَوْدة عن تعليم البنين. وفي الحقيقة يجب اعتبار تعليم البنات أهم من تعليم البنين، لأنّ هؤلاء البنات سيصبحن أمّهات في المستقبل، وبصفتهن أمّهات فهنّ أولى المعلّمات للجيل القادم. إنّ الأطفال أشبه بالأغصان النّضرة الغضّة، فإنْ كانت تربية الأطفال في السّنوات الأولى من حياتهم تربية صحيحة فإنّ أغصانهم ترتفع قويمة، وإنْ كانت تربيتهم خاطئة اعوجّت أغصانهم .

وعندما تـنال المرأة الاعتبار اللائق بها ويسمح للنّساء بالتّعبير عن إرادتهن في إدارة الشّؤون الاجتماعيّة، فحينذاك يمكننا أنْ نتوقّعَ حدوث تقدّم عظيم في الشّؤون الّتي أُهملت سابقًا وهي: شؤون الصّحة وضبط النّفس، والسّلام، واحترام قيمة الفرد، وتعزيز الحياة العائلية وستكون هناك آثار بعيدة المدى للتّحسينات الّتي تجري على هذه الشّؤون.

وضمن تشكيلة العائلة، يتفضّل حضرة عبدالبهاء:

"فوفقا لتعاليم حضرة بهاءالله، يجب تثقيف العائلة، كونها وحدة إنسانية، وينبغي تعليم أفراد العائلة كافّة الفضائل الإنسانيّة كما يجب مراعاة سلامة الرباط العائلي على الدوام، وعدم انتهاك أي حق من حقوق أفرادها، فحقوق الابن والأب والأم جميعها يجب عدم انتهاكها. فكما أن للولد واجبات معيّنة تجاه والده، فكذلك للوالد واجبات معيّنة تجاه ولده. والأم والأخت وسائر أفراد العائلة لديهم امتيازات معينة، فكل هذه الحقوق والامتيازات تجب المحافظة عليها، وعلاوة على ذلك، يجب دعم وتعزيز وحدة العائلة، واعتبار أي ضرر يلحق بأي فرد منها هو ضرر يلحق الجميع، وراحة كل منهم هي راحة للجميع".



اتصل بنا

info@bahaikw.org